الأربعاء، 11 فبراير، 2009

عشق البنات».. ترثي حال المقهورات رواية تنبش في المقبرة المخصصة للنساء


«عشق البنات».. ترثي حال المقهورات رواية تنبش في المقبرة المخصصة للنساء

البديل
07/02/2009
"عشق البنات" رواية صدرت في ديسمبر 2008 عن دار الهلال للكاتبة هويدا صالح، وهي تتكون من أربعين فصلاً، وكأننا في حالة حداد روائية تمتد لأربعين يومًا/فصلاً تروي الراوية في كل يوم/ فصل بكائية أو "عدوتة"، ومن المعروف في فن العديد الشعبي أن المُتوفي ما هو إلا تكأة لبكاء موتانا ومصيرنا، فكلٌ يبكي علي حاله. وكذلك تفعل الراوية مع شخصياتها النسائية علي مر الفصول، إذ تبدو تلك الشخصيات تكأة لرثاء الراوية لحالها بوصفها امرأة أو بوصفهن صورًا لكيان واحد وإن اختلفت أسماء الشخوص التي تندرج تحت مظلته. فالكل في واحد هو الراوية، وهذا الواحد موزّع علي كل الشخوص بالتساوي. أما التركة التي تتقاسمها شخوص الرواية فليست سوي مصيرٍ أبان الإهداء عن ملامحه؛ " إلي صباح محمد مرسي التي تنام في مقبرة بلا اسم.. فقط مخصصة للنساء". إن هويدا صالح جعلت من ممارستها فن "العديد" علي طريقة الرواية وسيلة لتغيير وظيفة "العديد" "التنفيسية" التقليدية، فجعلت من روايتها شاهد قبر يعرّف بكل امرأة لم تسكن المقبرة المخصصة للنساء بعد، لكنها تحوّلت هي نفسها إلي مقبرة تُغري بالنبش فيها. إن النبش فعل هدم ومجرد من الإنسانية، وهو نقيض البناء وهو في غاية الإنسانية، لكن عندما يكون الأمر متعلقًا بتحويل المرأة إلي مقبرة، فإن الدلالات تتحول لنقائضها، فيغدو نابشو القبور بهذا المعني أطول عمرًا وأجل قيمة من بنّائي تلك القبور.إن الفصل الأول بمثابة المخطط للرواية بأكملها، حيث تشير الراوية فيه إلي منهجها في كتابة الرواية، وهو أنها تريد أن تعيش حياتها في حيوات أخريات وأن تخلق كائنات تشكلها كما تريد متحررة من دور القديسة الذي يتلبسها ثقافيا رغم أنفها. إن هذه الكائنات الجديدة ما هي من وجهة نظري إلا كرات اللهب المدفونة داخلها، أي في جوفها، وما الجوف إلا التسمية البديلة للمقبرة المخصصة للنساء، "أقول لك : خذي بفكرة صديقك، اخلقي كائنات جديدة، امرحي في حيوات أخري. شكليها كما ينبغي، وكما تريدين"( ص9).ومن هنا، فإننا نجد الرواية بدءا من الفصل الثاني وحتي قرب نهايتها بقليل، أي تحديدًا حتي الفصل الثامن والثلاثين، عبارة عن عمليات استخراج لكرات اللهب عبر كائنات جديدة اتخذت أسماء مختلفة وهي (مها الحسيني- علياء- سلوي- غادة ماجدة عز الدين- عبير أنور- سمية- منال)، ويجدر بنا أن نلاحظ أن الضمير المستخدم في السرد في كل هذه الفصول هو ضمير الغائبة (هي)، ومع ذلك تستطيع الراوية أن تصف أحاسيس كائناتها الجديدة بدقة من يصف أحاسيسه الذاتية. وإلي هذا الحد ليست الرواية إلا رواية نسوية حداثية عادية ترثي حال النساء المقهورات اجتماعيا وجنسيا وثقافيا... إلخ، ومن ثم تثور حينًا علي الرجل القاهر لها أو تشفق عليه باعتباره ضحية الجهل والفقر والمرض، أو تنتقم منه حينًا بأن تحوّله إلي طفل يبكي بين فخذيها استرضاء لأنوثتها. لكن مع الفصل التاسع والثلاثين يظهر ضمير الأنا في الحكي لأول مرة علي لسان شخصية (نجوي) التي أهملتها الراوية حكائيا علي مر الرواية، فلم تخصص لها فصلًا، وإنما جاء ذكرها عابرًا كشخصية هامشية تشكو من تعمد سائق السيارة الاحتكاك بصدرها عندما يفتح لها الباب، وتتعمد أن تركب نفس السيارة كل يوم ولا تعدم تقديم مبررات لنفسها أو لسلوي، لكنه فعل تواطؤ واضح من شخصية نسوية تريد وتشكو في نفس الوقت. إن أهمية هذه الشخصية تكمن في أنها واعية بتجاور المتناقضات في داخلها دون إدانة لذلك التجاور، بل ربما في حالة دفاع عما يحققه ذلك التجاور للمتناقضات من سعادة مصدرها اتساق الذات مع نفسها. ونظرًا لهذه الأهمية فإن تلك الشخصية -بظهورها في الفصل 39 مستخدمة ضمير الأنا بهدف مساءلة الراوية عما فعلته علي مدي 38 فصلاً في الرواية، هادمة لها كل ما غزلته من نسيج روائي- تنقل الرواية إلي منطقة أخري وهي منطقة التمرد علي الرواية النسوية الحداثية التي تضع صورة للمرأة بهدف كسب تعاطف القارئ؛ لأنها صورة تدعو للأسي، تلك الصورة التي قدمتها "عشق البنات" علي مدي 38 فصلاً ونقضتها في فصلين بفضل ذلك الصوت المسائل لبنية الرواية الحداثية."لا تقدمي لي صورة تدعو للأسي، صورة تجعل القارئ لروايتك البائسة تلك يتعاطف معي. لا تقدمي نيابة عني مبررات لما يسمونه سقوطًا. أنا لست ساقطة، ولست امرأة عُذبت برجل ما قهر روحها، لا زوج لي يقهرني، ولا أخ أكبر مارس علي الضغط والحبس ولا أب تخلّي عن أمي أو عاملها بقسوة، انا بنت عادية خالص، تربيت في أسرة عادية ومستقرة". (ص162- ص163)يبدأ هذا الصوت في تفكيك الرواية عبر السخرية من شخصياتها وتصرفاتها الأخلاقية غير المبررة أنثويا. إن هذا الصوت الصارخ المتوتر هو الصوت المؤهل روائيا لأن يحمل أكثر كرات اللهب اشتعالا ويقذفها في وجه الثقافة، وهذه القذيفة هي قذيفة تغني الطفلة بما عزفته يد خالها من ألحان علي جسدها."بنت صغيرة عرفت يد خالها، التي لم تكن مدربة جيدًا كيف تلامسها"ص166/ "وحين فاجأتها دورتها الشهرية، لم يكن معهما أحد في المنزل، غسل(خالها) لها ما بين فخذيها.. صار لها كل الأشياء المريحة والمحرقة وصارت له متعته الوحيدة...لازم أخته سنوات الدراسة، رفض خلالها كل عروض الزواج التي نقلتها له" (ص-ص167-168)بعد هذا الدرس النقدي الذي قدمه صوت"الأنا- نجوي" المتمرد علي صورة المرأة في الرواية الحداثية نجدنا أمام راوية تساعد بطلاتها (غادة/ سلوي)علي الوصول للحظة الغامضة غير المكتملة بعد أن كانت تحرمهن منها باسم الفضيلة أو المحافظة علي "شال الأب ناصع البياض"، فقد حرمت منها ماري عندما جمعتها الصدفة بماري الإنجليزية في غرفة واحدة بفندق، وحرمت منها سلوي التي كانت تنتظر دورها مع بدورو ميرفت ومني في غرفة بدور وهن يدرسن ويحفظن نتائج الحملة الفرنسية!! "وتركت(سلوي) لأصابع غادة التي تبدومدربة، تداعب حلماتها. ضحكت المرأتان مرة أخري، وقالت غادة : لنغلق باب الغرفة"(ص170)علي الرغم من وصول سلوي وغادة للحظة الغامضة واكتمالها بعيدًا عن كل صور الرجل خلف باب مغلق، إلا أن تمرد "عشق البنات" من وجهة نظري ليس تمردًا كاملاً يمكّنها من الخروج عن التصورات الإدراكية السائدة عن المرأة في الثقافة العربية التي تتمرد عليها، لأنها مازالت أسيرة تلك التصورات التي تدرك المرأة باعتبارها جسدًا فحسب، لتبقي نقطة التمرد كامنة فيمن يتعامل مع هذا الجسد وبأي كيفية، ونقطة التمرد هذه لا يمكنها أن تنتج تصورات إدراكية مختلفة عن المرأة تصلح بديلاً لما هو سائد، فضلاً عن أن تنتج تلك التصورات الإدراكية غير المنجزة بعد خصوصيتها علي مستوي تقنيات السرد
د. سيد ضيف الله