الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2008

إلى دعاء صاحبة مدونة برنسيس دودو / فلامينكو بقدمين عاريتين

فلامينكو بقدمين عاريتين
تضع المربع الورقي الأبيض علي حامل الرسم ، تخط بقلم الرصاص خطوط جسد لين لامرأة أربعينية باذخة ، تضغط بإصبعها لتبزغ الألوان ، تمرر بها الفرشاة دون صقل ، تضعها كما يتراءى لها ، فتضع الأحمر الناري علي الشعر المنساب علي الكتفين وتضيف الأزرق بعفوية علي الجفون ، وتكور الشفاه الكرزية في ضمة من يستعد لتلقي قبلة يتمني أن تكون طويلة ، تلون الخدود بالوردي الرقيق ، تتذكر" كونشرتو الأبنوسي" الذي أهدته لها صديقتها صباحا ، تخرج الأسطوانة وتديرها في الجهاز ، وتدق بقدميها العاريتين علي البلاط البارد دقات إسبانية ، تمد يدها لتطير طرف فستانها الواسع في الهواء مثل راقصة إسبانية محترفة ، ذراعاها يراقصان الهواء ، لا راقص رشيق هناك يقترب الآن بقبعته وملابسه الضيقة ويحييها ، تنظر إلي لوحتها علي الحامل الخشبي ، تخرج المرأة الأربعينية وتراقصها ، تشيح المرأة قليلا بوجهها ، وتخبرها أنها تحلم بجدائل سمراء طويلة بدلا من شعر احمر ناري ، تبتسم وتعدها بأجمل جديلة كانت علي شعر رأس امرأة يوما ، وعلي أنغام الجاز تتمايل بها ، ثم تعيدها إلي المربع الفارغ إلا من البياض ، تضع لها وردة حمراء عند مفرق الشعر الأسود المنفتح علي نسمات هواء تهب من نافذة على الروح ، تطلب منها ألا تكور لها نهدين بازغين هكذا ، تقول لها المرأة في اللوحة :
ـ ارسمي نهدي صغيرين قليلا ، أخجل من عيون الرجال المتلصصة ، وأداريهما دوما بذراعي وكتبي وحقيبتي .
ـ لقد خُلق النهدان كي يتلصص عليهما الرجال ، وحتي نرتبك نحن النساء ونداريهما بحقيبة جلدية صغيرة ، وإلا ما فائدة الحقائب الجلدية والكتب .
سأرسم لك نهدين مشاكسين ويمكن لك أن تدرايهما بذراعيك وحقيبة يدك .

تعود إلى كرسيها صامتة
كان الطلاب في قاعة درس مظلمة ينشغلون في تحليل أسلوب " كيس فون دنجن " ، أدار الأستاذ البرجكتور . تسيطر فاطمة- وفرقتها الموسيقية- علي المكان ، شعرت بهن يملأن القاعة صخباً ، سألته هل زار ذلك الهولندي مصر ، ينفي لها ذلك ، لم تصدقه تماماً ، انتوت العودة إلي كتبها ومراجعها لتتأكد من كلام الأستاذ ، ثوب فاطمة يغافل الزيت والقماش ويهفهف بثنياته الكثيرة ، ملابس الراقصات حولها تنافس لون ثوبها الأحمر المشوب بخطوط بنفسجية ، واحدة منهن تغافل سيدتها التي أطلق عليها الفنان فاطمة ، وتدلق بعض الألوان علي أرضية الحجرة الداكنة ، فيما الأخري تشاغب، حتي تشد العقد من رقبة الراقصة التي تتمايل بذراعيها العاريتين ، هسيس الأساور يستفز الفتيات في قاعة الدرس ، تفوح في المكان رائحة العنبر والمسك ، وجدائل فاطمة المخضبة بالحناء تشغل الأستاذ عن الضغط علي مفتاح البرجكتور لينتقل للوحة الثانية ، الزهرتان الباسمتان علي نهديها البازغين من وراء ثوب حريري شفاف ، يغريان البنت بتلمسهما ، تصطدم يدها بملمس الزيت علي القماش ، وبصوت الأستاذ الذي يتضايق لإخفاء اللوحة وراء ظلها المتراقص ، همهمات الزملاء تنبهها ، فتلتفت إليهم خجلة وتعتذر وتعود إلي كرسيها صامتة ، مازال يشرح التعبيرية وأثرها في الشعر والموسيقي ، وهي منشغلة هناك ، تبحث عن فنان قديم تعرف أنه واقف خلف مشربية خشبية في منزل قديم يرقب من فتحاتها فرقة امرأة أطلق عليها اسم فاطمة مجازا هي وفتياتها ، كانت الراقصة تنادي علي فتيات فرقتها ، اللاتي يجهزن لحفل المساء في منزل أحد الأمراء ، عيناه تدمعان وهو يضع اللمسات الأخيرة للوحته ، ورائحة الخشب تملأ أنفه ، يغلق المشربية علي صوت فتيات ترن ضحكاتهن ، ويدارين دمعات كثيرة في مناديلهن خلف هذا الصخب ، تفيق علي الضوء يغمر حجرة الدرس ، يرص الأستاذ الشرائح الصغيرة في العلبة الخشبية ، وحين يسألها عن رأيها في اللوحة تقسم له أنها تركت الفنان هناك خلف مشربية يتنفس رائحة الخشب ويمسح دمعتين نزلتا حارقتين من أجل دموع الفتيات المنسكبة في المناديل المخفية بين النهود البازغة .


علي كوبري قصر النيل
هي تعشق السير- مساء- علي كوبري قصر النيل ، تستند بكوعيها علي حافة سوره البارد ، الهواء محمل بالبخار وأصوات الشباب الصاخبة ، ورائحة الفل المعلق علي صدور الفتيات، و ارتعاشة صوت الأحبة ، ودفء الأكف .
تنقر بكعب حذائها نقرات متتابعة ومنتظمة على إسفلت الكوبري ، صوت الموسيقي المتسرب من الباخرة مرصعة بمهرجان الأضواء والألوان يستفزها و يغريها بالرقص . تغوص أسفل ماء النهر تلملم الألوان التي جرحت وحدته وسكونه ، هو الساكن المراقب لصخب الحياة منذ آلاف الأعوام التي لا تعرف عددها .
الماء الدافيء يدغدغ جسدها ، تلملم الأضواء الذائبة في مياهه وتطيرها عصافير وفراشات ونجوما تحط علي صدور البنات المرتعشات على الكوبري ، ثم تقرر الرحيل ، تتأرجح حقيبتها خلف ظهرها ،هي لا تبالي بإشارات الشاب الواقف هناك.



…في نهاية الثلاثين
تقف علي رصيف مقابل لـ " جروبي " . تتأمل المكان الذي كثيرا ما حلمت بالجلوس إليه ، لا يهم مع من تجلس ، فقط تحلم بأن تجلس إلي الطاولة ، ويأتيها النادل فيسألها بلطف مبالغ فيه :
ـ الهانم تشرب إيه ?
يبالغ في سرد قائمة المشروبات بلكنة فرنسية مفتعلة ، ويبالغ في الانحناء حين تضع نقودا كثيرة في قائمة أسعاره الخيالية .
عبرت الرصيف دون أن تعبأ بشتائم ولعنات السائقين الغاضبين في سياراتهم المسرعة ، وقفت أمام حائط زجاجي لامع ، تأملت العاملين بستراتهم الحريرية الحمراء ، واستمتعت بالموسيقي الحالمة وهي تنساب إليها عبر الحائط نفسه ، كم تسرب إليها عبق العطور والورود، يتأملها أحد العاملين بنظرات غريبة ،تمشي على خجل ،ثم تحكي لزميلتها- في العمل- وهي تقول لها :
ـ بسيطة نعملك جمعية صغيرة واقبضيها الأول ودلعي نفسك بيها .
وحين دست النقود في حقيبتها، اشترت فستاناً لمناسبات قد لا تأتي ، وسارت إلى هناك بخطوات امرأة تدرك معنى العالم ، تعمدت أن ينزلها سائق التاكسي أمام الباب مباشرة ، وتمنت أن يلتفت العامل بسترته الأنيقة ويراها وهي تعطي للسائق النقود ، ولكنه أبداً لم يفعل ذلك ،
قالت :
ـ لا يهم
دخلت ، صوت حذائها يدك الأرضية الرخامية ، جلست إلى طاولة جنب الحائط الزجاجي، ترقب حركات الناس الصاخبة ، يأتي إليها الشاب بسترته الحريرية ، وانحناءاته كما تخيلت ذلك تماما ، طلبت شايا و جاتوه ، ثم أضافت بثقة زائدة لا تنس المياه المعدنية ، عاود الانحناء وابتعد . جلست تستمتع بطقسها الجميل ، وحين أتي إليها بفاتورة الحساب، وجدت نفسها تتعمد وضع النقود وسط قائمة الأسعار دون أن تنتظر الباقي .

الجمعة، 5 سبتمبر، 2008

1
خلفت وراءها مبنى عتيق لمدرسة كانت في يوم ما قصرا من قصور الخديو.. أشجار السرو والنخيل الإفرنجي يلفان المبنى العتيق .. حبات سوداء تتساقط من أشجار النخيل ذي السعف العريض .. انحنت والتقطت حبة سوداء .. قضمتها فامتلأ فمها بالمرارة .. تشبه في شكلها حبات عنب الديب التي كانت تنمو على شاطئ النهر في قريتها.. لكن طعمها يختلف تماما عن طعم هذه المرارة التي تملأ فمها .. طعم عنب الديب يشبه طعم العنب المختلط بطعم البرقوق .. الخواء والخوف يملأن قلبها وهي تتجه ساهمة إلى فيلا عمها في شارع خسرو ..الشارع يغرق في الظل والصمت إلا من بعض صيحات لتلاميذ صغار يسرعون بجانب أمهاتهم .. أصحاب المحلات يجلسون أمام محلاتهم .. يرمقونها في نظرات حيادية ..الشارع الظليل يذكرها بقصص العشق التي قرأتها قديما .. ما زال الخواء يملأ جوفها ومرارة الحبة التي قضمتها تزيدها حزنا ..خفف عنها مرارة ما تشعر به الآن تفهم مدير المدرسة لظروف غربتها ودراستها العليا في جامعة حلوان .. نظر إليها بعطف أب وأخبرها أنه سيضع لها جدولا مناسبا لظروفها ...
ما دار في حجرة المدرسات جعلها تبتسم في غير حماس .ضجيجهن المستمر.حماسهن في النقاش حتى في أشد الموضوعات تفاهة.نكاتهن الفاحشة.الكدرة تغطي وجوههن رغم السعادة الظاهرة والمرح الملحوظ .عيونهن كالحة ومنطفئة. بعد الترحيب اللائق بزميلة جديدة ، خصصن لها مكتبا وكرسيا متهالكين.نظراتهن تخترق وجهها الصغير المبتسم في خجل.قالت لها واحدة أنها أصغر مدرسة في الحجرة. وأضافت أخرى هندلعك لأنك آخر العنقود.
قاطعتهن على استحياء وقالت وهن يتحدثن عن شقاء النساء وتعبها في العمل والبيت :
ـ لما أكون ماشية في الشارع و أبص في وجوه الستات أشوف عليها كدرة وشقاء غير مبرر،وعيون دبلانة ومنطفئة،أعرف أن معهن رجالا خائبين فقدوا آدميتهم في اللهاث وراء لقمة العيش.
تنهدت زميلة تبدو مركز جلسة النميمة الصباحية وقالت :
ـ غير مبرر إزاي بس.! يا علياء اللي بيحصل فينا قليل؟!
أضافت وكأنها لم تستمع لكلام زميلتها :
ـ كل امرأة تبدو عليها الكآبة وضياع الروح يبقى معاها راجل معرفس يلمس روحها أكيد
ردت زميلة أخرى ستعرف فيما بعد أن اسمها مها الحسيني وستضع حملها عليها طوال الوقت :
ـ كل ست وشها مفيهوش سعادة يبقى معاها راجل حمار لمؤاخذة .
وتعالت ضحكاتهن،وغرقت هي في الصمت.حاولن جذب انتباهها لتشارك في الحديث؛فردت بجمل قصيرة.
الطريق إلى منزل عمها يطول.ترى كيف ستبدأ الحديث معه.لم تعرف كيف تحادثه أمس وهو يمسك بالزجاجة البلورية المرسوم عليها حصان أسود. شرب كمية كبيرة من الخمر .ثم حياها بجملة وحيدة:
ـ نورت يا علياء بيت عمك .
دخل إلي حجرته بعد أن أشار لها على غرفتها التي خصصها لإقامتها .
في الصباح أخرجت رأسها من حجرتها متلصصة.دارت برأسها في المكان.لم تجده. دخلت المطبخ المصمم على الطراز الأمريكي والمفتوح على الصالة الواسعة.أعدت كوبا من الشاي.احتستهفي تكاسل عله يخرج من حجرته.لما تأخر خروجه أخذت حقيبة أوراقها، وخرجت إلى المدرسة التي تقبع في نهاية شارع خسرو.ألقت نظرة على القصر المتواري خلف الأشجار وواصلت السير إلى المدرسة.


عمو عمر هكذا نادته علياء منذ أول يوم ،وهكذا رمقها هو في تأمل وتوجس.كائن غريب سيقتحم عليه وحدته. سكونه الذي يشبه جثة مهملة. أصدقاؤه القليلون رتبوا حياتهم على احترام سكونه حينما يرغب . يداعبونه بقولهم البيات الشتوي بدأ،ويتركونه لحاله .يعيش أيام صمته الإرادي .ربما تمتد الأيام لشهور.لا يجرؤ أحد على الاتصال به إلا إذا قرر هو كسر حالة الصمت .يتصل بهم ويخبرهم في مرح :عندي قزازة بلاك هورس من القرن الماضي،أو جاءتني زجاجة جون ووكر معتقة .تكون تلك الجملة الإيذان ببداية أيام المرح في الفيلا المختفية بين أشجار باسقة في شارع هادئ بحلوان .قد تأتي بعض الصديقات المنسيات، وقد يقتصر الأمر على أصدقائه المقربين ،وحتما تأتي أيام الفرح هذه.
الآن كائن بوجه مريمي طفولي يقتحم عليه عالمه. ابتسامة خجلة.يخيل لمن يراها أنها أفلتت من ملاك صغير ملَّ السماوات البعيدة وقرر أن يعيش على الأرض.
في اليوم الأول تأمل تحركاتها في المنزل .أربكته قليلا ،وهي تعيد ترتيب الأشياء.ألقى على مسامعها بضعة تحذيرات ،فلا تغير أماكن أشيائه الخاصة،ولا ترد على هاتفه وإن لم يكن موجودا .لا تهذب الحشائش في الحديقة فهو يحب منظرها الحوشي الذي يعيد إلى ذهنه صورة براري رآها في مكان ما لا يذكره على وجه الدقة.
يد الأطفال تخرب كل شيء. لم يتعود على وجودهم.ربما لأنه لم ينجب قبلا . وربما لأنه كان يرى الحسرة في عيون زوجته حين يزورهم الأصدقاء ومعهم أطفالهم .يدرك أنها ماتت تعيسة ووحيدة، ومن فرط حبها له رفضت أن تتركه من أجل الإنجاب.
أنهى أوامره بقوله يد الأطفال تخرب كل شيء،فرفعت حاجبيها دهشة ولم تقل له أنها ليست طفلة .فقط أكتفت بقولها :
ـ أمرك يا عمو.
وبذات الابتسامة الطفولية عاشت علياء على هامش الحياة في الفيلا تاركة إياه يعيش في مسالكه المفضية إلى أعماق روحه. سلوكه مجهول تماما لديها وغير مفهوم ،لكنها قادرة على التكيف معه. هو لم يتعوَّد نظرات التطلع إليه ،لكنه رآها غير مكدرة لصفوه.
في مساء ليلة خريفية شعرت بالضيق والزهق .جلست في حجرتها تذاكر محاضرات الدبلومة التي تدرسها .لم تدرك أن الباب موارب إلا حين وجدته يتطلع بعيونه الرمادية المرتجفة إلى جسدها البض خلف قميصها القطني الرقيق. فزعت وشدت الملاءة مسرعة؛فارتبك وفر مذعورا مثل فأر صغير.
أغلقت باب حجرتها وتكومت في سريرها لا تعرف تبريرا لمساحة الفزع التي تلبستها حين رأت عيونه الرمادية تتأملها.تعمدت ألا تراه.
في اليوم التالي كان يجلس في الشرفة بانتظارها.دق قلبها، وهي تخطو الخطوات القليلة من باب الحديقة الصغير حتى السلالم القليلة التي تؤدي للشرفة.انشغل بحشو البايب بالدخان وتجاهل وقوفها على أول سلمة في الحديقة .تلكأت قليلا ،ثم صعدت مستندة على الدرابزين الخشبي.
ـ سلام عليكم يا عمو.
ـ الأكل سخن على السفرة ،وأنا مستنيكي.
سارت أمامه مرتعشة الخطو،وهي تشعر بعيونه التي تشبه عيون حيوان صغير تنغرس في ظهرها.ألقت نظرة جانبية على المرآة التي تتوسط حائط الصالة الكبيرة.ترى نظرة لا تشبه كل النظرات التي رأتها في عيون الرجال تتأمل ظهرها.
حدسها يسرسب إليها مساحة من الفزع تفوق فزع ليلة أمس.
تجلس على السفرة تتأمل نشاطه وهمته، وهو يأتي بالفوط ودورق الماء الكرستالي .يصب لها كوبا من العصير الطازج :
ـ علشان تبلعي الأكل.
ثم أمسك بزجاجة مثلجة من البيرة وراح يأكل ويتحدث بحماس.حكى لها أشياء غير مترابطة من حياته. كانت تستمع بحذر وخجل . تدس اللقمة في صمت، وترشف العصير دون أن ترفع عينيها عن نقطة وحيدة في المرآة الكبيرة المذهبة. بين لحظة وأخرى يتأكد من إنصاتها.تهزُّ رأسها في صمت وهو يواصل ثرثرته.

الجزء الأول من رواية عشق البنات